فخر الدين الرازي
298
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
القراءة الشاذة : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ، أو يقال : إنا نترك ظاهر هذه الآية لورود خبر الواحد على خلافه ، قال : أما القراءة الشاذة فمردودة قطعا ، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن ، وهو أن يقال : إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير إلا أنه لم ينقل ، وأيضا فلأن معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى ، ومن أشد الأمور التي يحتاج كل أحد إلى معرفتها ، فلو كان ذلك قرآنا لامتنع بقاؤه في حيز الشذوذ ، وأما التمسك بخبر الواحد فقال : هذا يقتضي نسخ القرآن بالخبر ، وذلك لا يجوز . قال الفقهاء : إن كلمة ( إذا ) لا تفيد العموم بدليل أنه لو قال لا مرأته : إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة طلقت ، ثم لو دخلت ثانيا لم تطلق ثانيا ، وذلك يدل على / أن كلمة ( إذا ) لا تفيد العموم ، وأيضا أن السيد إذا قال لعبده : إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا وكذا ، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة . واعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم : فلعله يلتزم العموم ، وأيضا فله أن يقول : إنا قد دللنا على أن كلمة ( إذا ) في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير ، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم ، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير ، وأما الفقهاء فإنهم استدلوا على صحة قولهم بما روي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد . قال عمر رضي اللَّه عنه : فقلت له في ذلك فقال : عمدا فعلت ذلك يا عمر . أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأيضا فهذا الخبر يدل على أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان مواظبا على تجديد الوضوء لكل صلاة ، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى : فَاتَّبِعُوهُ * [ سبأ : 20 ] بقي أن يقال : قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح ، فنقول : لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه : الأول : هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب ، والظاهر أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها ، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه ، وزيادة النعمة من اللَّه تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها . والثاني : أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحا لقوله عليه الصلاة والسلام : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . الثالث : أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . والرابع : أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية ، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية ، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس ، فهذا ما في هذه المسألة واللَّه أعلم . والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال : لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء ، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا [ النساء : 43 ] أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء ، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سببا لوجوب الطهارة عند وجود الماء ، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة ، وذلك يدل على ما قلناه . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة ؟ والأصح أنها تدل عليه من وجهين : الأول : أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء ، ثم بيّن / أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم ، ولو لم يكن شرطا لما صح ذلك . الثاني : أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء ، فالآتي بالصلاة بدون